اما وقد اتضحت الرؤية واكتمل المشهد وتجمعت تفاصيلة امام اعيننا لم يعد فى وسعنا الصمت أكثر من ذلك .. فماذا بعد وثيقة السلمى ؟؟
بمجرد انتهائى من قراءة وثيقة " السلمى " تذكرت مظاهرات عابدين العام الماضى عندما وقف النشطاء مرددين نفس ما قاله الزعيم الراحل احمد عرابى قبل أكثر من مائة عام .. "لقد خلقنا الله أحرارًا، ولم يخلقنا تراثًا أو عقارًا, ف والله الذي لا إله إلا هو، لا نُورَّث، ولا نُستعبَد بعد اليوم" .. وكنت اتصور اننا لن نردد هذه الجملة مرة اخرى بعد ثورة بيضاء ثُرنا فيها على نظام ظالم طاغى مستبد .. ولكن تأتى رياح السلمى بما لا يشتهى الثوار - ضمير الوطن- .
هذة الوثيقة على حالها هذا تعيدنا ليس فقط الى حكم الطاغوت مبارك وانما الى ما هو اسوء .. طبقا لهذه الوثيقة يصبح من حق المجلس العسكرى ان يفعل ما يشاء دون رقيب أو حسيب .
فالبند التاسع منها يعطى للمجلس العسكرى بما لا يدع مجالاً للشك صلاحيات ليست موجودة فى اى دولة بالعالم حيث ينص على أن المجلس العسكرى هو المختص دون غيرة بالنظر فى الشئون الخاصة بالقوات المسلحة بعيدا عن المجلس الشعبى - المنتخب من الشعب بكل فئاته – كما يجعله الوحيد المختص بالموافقة على اى تشريع يتعلق بالقوات المسلحة دون غيره مما يزيد الطين بلة .. لانه يصبح فى هذه الحالة جهة تشريع تزاحم مجلس الشعب المعنى بالاساس بهذه الامور . والمريب فى هذا البند انه يـُخرج قطاع كامل من الدولة وهو القوات المسلحة من تحت امرة الدولة ويجعله اقرب لدولة داخل الدولة, كما ينص نفس البند أيضا على أن يتم ادراج بنود ميزانية القوات المسلحة رقم واحد فى موازنة الدولة - ايضا بدون مناقشتها- فى اى دولة بالعالم يحدث هذا ؟
اذا كان السادة اللواءات يتصورون انهم فوق طائلة الحساب فيما ينفقون من أموال الدولة فهم مخطئون .. فهذه الثورة قامت لرفع الظلم وكشف الفساد .. لم يصرح احدنا ابدا اننا ضد ان يسلح الجيش نفسه فيما يراه واجبا فهذه ضرورة حتمية من اجل مصلحة الوطن .. الا انه ينبغى ان يتم الاعلان عن بنود تلك الميزانية صراحة وبمنتهى الشفافية لنعرف فيما تنفق هذه الاموال (بدون الكشف عن تفاصيل الخطط او ما الى ذلك من امور تقتضى السرية) .. والا كيف سيتم محسابة الفاسدين فى جهاز القوات المسلحة اذا لم نحط علما بهذا الامر لكى تتم مسائلتهم من قبل مجلس الشعب كباقى جيوش العالم .. الا اذا كانت القوات المسلحة تتمتع بملائكة لا يخطئون بين افرادها ولايجوز محاسبتهم .
ليس هذا فقط .. فالوثيقة تعطى أيضاً الحق للمجلس العسكرى فى اختيار لجنة تأسيسية لوضع دستور للبلاد ومن ثم عرضه على مجلس الشعب خلال خمسة عشر يوما من الانتهاء من اعداده .. وذلك فى حالة فشل اللجنة التأسيسية الاصلية فى وضع دستور خلال 6 اشهر لاى سبب من الاسباب .. وأتسائل : بأى حق يتحكم المجلس العسكرى فى هذا الامر؟
ما يزيد الجدل حول دور المجلس العسكرى الحقيقى بهذا الشأن هو الاعلان المفاجىء عن ان تلك اللجنة التأسيسية ستتضمن 20 عضوا فقط من مجلس الشعب و80 عضوا من خارجه ! فيما جاء على عكس كل التصورات .. ذلك ان المجلس العسكرى باختيارة لل 80 عضو يكون قد امتلك زمام امرنا جميعا .. اما ان ينجحوا فى وضع دستور او يسعوا لافشاله .. حتى يضع المجلس العسكرى دستورا تفصيلياً على هوى يرضى اعضائه !
كل ما سبق يُـخرج الجيش المصرى من مهامه الاساسية المنوط بها الا وهى حماية الوطن فقط كما هو الحال فى اى نظام مدنى مؤسسى, ويدخله فى توازى مع الهيئة التشريعية الممثلة بمجلس الشعب فيما يعد خلطا وتداخلا خطيرا فى المهام والاختصاصات .
وانا وان كنت القى باللوم كل اللوم على " السلمى " ومن خلفه المجلس العسكرى لاعدادهم هذه الوثيقة المشينة الا اننى لا اخفيكم سرا فانى الوم ايضاً الاحزاب التى وافقت على بيان الفريق سامى عنان ووقعت عليه .. فلولا قبولهم هذا البيان ما كان السلمى ولا المجلس العسكرى فكر فى مثل هذه الوثيقة - وان كانت النية مبيتة لها - او على اقل تقدير لم يكن ليطرحها بهذا الشكل الصادم .
هذه الوثيقة - حتى بعد تعديلها - جاءت لتعيد إشعال شرارة نار الفرقه بين التيارات السياسية والدينية المختلفة من جديد .. و أنا لا اتصور ان تقام المرحلة الاولى من الانتخابات البرلمانية اذا مررت هذة الوثيقة التى ستدفع بنا جميعا الى الميادين .. ووقتها لن يتخلف احدا عن النزول .. فقد غاب عن ذاكرة المجلس العسكرى ان من خرج يوماً على ديكتاتور ظالم لن يقبل بآخر ابداً .. لاننا وبكل بساطة وقوة وإصراروإرادة وعزيمة لن نستعبد بعد اليوم وان كره الكارهون .
محمد العبد
نشرت اليوم بجرنال الرأى الاسبوعى .. 14/11/2011
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق